الحلبي

37

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وهي مدنية باتفاق . وقد قيل إنها نزلت في صهيب رضي اللّه تعالى عنه لما هاجر أي كما تقدم ؛ لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لعليّ ما ذكر ، وعليه فيكون فداؤه للنبي صلى اللّه عليه وسلم بنفسه واضحا ، ولا مانع من تكرر نزول الآية في حق عليّ وفي حق صهيب . وحينئذ يكون شري في حق عليّ رضي اللّه تعالى بمعنى باع : أي باع نفسه بحياة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وفي حق صهيب بمعنى اشترى : أي اشترى نفسه بماله ، ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية ، لأن الحكم يكون للغالب . وفي السبعيات « أنه صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى أصحابه وقال : أيكم يبيت على فراشي وأنا أضمن له الجنة ، فقال عليّ : أنا أبيت واجعل نفسي فداءك » هذا كلامه ، ولعله لا يصح . ثم رأيت في الإمتاع ما يدل لعدم الصحة ، وهو قال ابن إسحاق : ولم علم فيما بلغني بخروجه صلى اللّه عليه وسلم حين خرج إلا عليّ وأبو بكر الصدّيق ، فليتأمل واللّه تعالى أعلم . وكان في القوم الحكم بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو لهب وأبو جهل ، فقال : وهم على باب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن ، أي بضم الهمزة وتشديد النون ، وهو محل بأرض الشام بقريب بيت المقدس ، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحترقون فيها ، وسمعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخرج عليهم وهو يقول : نعم أنا أقول ذلك ، وأخذ حفنة من تراب وتلا قوله تعالى يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) [ يس : الآيتان 1 و 2 ] إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : الآية 9 ] فأخذ اللّه تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه . وفي مسند الحارث بن أبي أسامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنه ذكر في فضل يس ( 1 ) [ يس : الآية 1 ] أنها إن قرأها خائف أمن ، أو جائع شبع ، أو عار كسي ، أو عاطش سقي ، أو سقيم شفي » « وعند خروجه صلى اللّه عليه وسلم جعل ينثر التراب على رؤوسهم ، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد ، فأتاهم آت ، فقال : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا محمدا ، فقال : قد خيبكم اللّه ، واللّه خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب » . قال في النور وهذا يعارضه حديث مارية خادم النبي صلى اللّه عليه وسلم تكنى أمّ الرباب « أنها طأطأت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فرّ من المشركين » وينبغي أن يوفق بينهما إن صحا وإلا فالعبرة بالصحيح منهما هذا كلامه . أقول : التوفيق حاصل ، وهو أنه يجوز أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يحب أن يخرج عليهم من الباب فتسوّر الحائط التي نزل منها عليهم واللّه أعلم ، أي وكان ذهابه صلى اللّه عليه وسلم